توفيق أبو علم

176

السيدة نفيسة رضي الله عنها

--> ويقول السيد نور الدين السمهودي ( 911 ه ) في كتابه « وفاء الوفا » : ج 2 ص 412 بعد ذكر أحاديث الباب : وأمّا الإجماع ، فاجمع العلماء على استحباب زيارة القبور للرجال كما حكاه النووي ، بل قال بعض الظاهرية بوجوبها . . . ، وأضاف الدمنهوري الكبير وهو من كبار المتأخّرين إلى ذلك : قبور الأولياء والصالحين والشهداء ، وبه قال الحافظ أبو العباس القسطاني المصري ( 923 ه ) في كتابه « المواهب اللدنية » في الفصل الثاني منه ، وكذا الشربيني محمد الخطيب الشافعي ( 977 ه ) في مغني المحتاج : ج 1 ص 357 . ولا يخفى أنّ زيارة القبور تنطوي على آثار أخلاقية وتربوية جمّة ، ظاهرة بالوجدان لكلّ أحد ، إذ انّ مشاهدة القبور الساكنة والصامتة ، وهي تضمّ في أعماقها مجموعة كبيرة من الذين عاشوا في الدنيا ثم ماتوا ، ولم يصحبوا معهم شيئاً من زينتها ونعيمها ، لا شك أنّ هذا يبعث فيه الزهد والتقوى . إنّ نظرة تأمّل إلى مشاهد القبور وحفرها وصمتها الرهيب يرقّق قلب الانسان مهما كان قاسياً ، وتدفع به إلى أن يعيد النظر في سلوكه وأعماله ، وينهض فيه روح المسؤولية الشرعية التي هي على عاتقه امام اللَّه والناس ، وهذا ما يعنيه بالضبط الحديث الذي يرويه ابن ماجة فيالسنن : ج 1 ص 113 : « زوروا القبور فإنّها تذكّركم الآخرة » . ثم إن من القبور ما تضمّ أجساد الأنبياء والمرسلين الذين حملوا على عاتقهم رسالات السماء وبلّغوها الناس ، وضحّوا من أجلها بالغالي والنفيس ، وأيضاً تضمّ من غيرهم من المصلحين العظماء ، ممّن ساروا على نهج الأنبياء ، وكانوا يحظون باهتمام واحترام المؤمنين في العالم : من أبناء الأنبياء وأحفادهم ، الذين عُرفوا بالتقوى والإيمان والورع والزهد والعلم والصلاح ، فكانوا محطّ أنظار الناس واحترامهم الكبير ، وتجليلهم وتعظيمهم . ومن العلماء والمفكّرين والفقهاء الورعين الذين عاشوا حياة الزهد والحرمان ، وقدّموا للعالم بحوثاً قيّمة ، وكتابات مشرقة ، وآثاراً رائعة في مجالات العلم والمعرفة ، والفقه والشريعة ، والحكمة والأخلاق . . . ، فكانوا كالشمعة تحرق نفسها لتضيء درب الآخرين . ومن المجاهدين الثائرين على الظلم والطغيان في جميع الأعصار والأمصار . ومن دعاة العدل والإصلاح وحقوق الإنسان ، وطالبي كرامة البشر وحقوقهم المشروعة ، الذين قدّموا أرواحهم قرابين لصرح العدالة والحرية وإصلاح الدين . والناس يزورون هؤلاء باستمرار ، ويذرفون عندهم الدموع الغزيرة ، ويستذكرون بطولاتهم وتضحياتهم ،